الإمام الخمینی حین تحدّى الغرب وانتصر

رفعت السید احمد

 

فی العام 1987 وکنت وقتها فی المراحل الأخیرة من إنهاء رسالتی للدکتوراة فی العلوم السیاسیة من جامعة القاهرة وکانت عن "الإحیاء الإسلامی فی مصر وإیران فی السبعینات"، سألنی وقتها أحد أساتذتی: لماذا تنحاز هکذا للخومینی (هکذا نطقها وکتبها کما کان شائعاً فی الإعلام العربی) وثورته، رغم أنها ثورة تخدم المشروع الغربی ولن تُعادی إسرائیل، بل ستکون حلیفة لها، کما کان الشاه؟ قلت له بعد أن صحّحت له الإسم _ إسم الإمام الخمینی _ "إن تحلیلک ونتائجک یا إستاذی غیر صحیحة وستثبت لک الأیام ذلک، وأن مقدّمات الثورة وفکر قادتها وفی طلیعتهم هذا الشیخ الثائر تؤکّد أن النتائج القادمة ستکون غیر ما تفکّر فیه تماماً"، وقد کان.

 

کانت مصر فی تلک الأیام ومعها المنطقة مستقطبة ناحیة صدّام حسین وحربه المجرمة التی فرضها على إیران وموّلتها السعودیة والدل العربیة والولایات المتحدة فی مؤامرة تاریخیة لإسقاط الثورة الولیدة  فی إیران ولاستزافها وشغلها عن الأهداف الاستراتیجیة التی قامت من أجلها فی العام 1979، ومرّت تحت جسور المنطقة میاه کثیرة وتشعّبت واتّسعت المؤامرات على إیران، لکنها انتصرت وسقط صدّام ومعه مشیخیات الدول العربیة، بل وتحاربوا وتقاتل بعضهم مع بعض طیلة التسعینات والألفیة الأولى، ونصعت فی سماء المنطقة الرؤیة الاستراتیجیة والثابتة للثورة الإسلامیة فی إیران  ضد أطماع الغرب وضد الکیان الصهیونی، وخاضت حروباً ودعمت حرکات مقاوِمة ضد واشنطن وتل أبیب کان أبرزها حزب الله وحماس والجهاد الإسلامی الفلسطینی، وما فتئت طیلة 40 عاماً تقدّم الغالی والنفیس من سلاح ومال وتدریب وسیاسة من أجل فلسطین، رغم استمرار المؤامرة وتنکّر بعض الحلفاء وإنحراف بوصلة البعض الآخر فی زمن الربیع العربی الزائف (2011-2019)، ظلّت إیران قابضة على الجمر، وفیّة للقدس وفلسطین، کل ذلک فی تقدیرنا له أسبابه السیاسیة والاستراتیجیة، وقبل هذا جمیعه له أسبابه العقائدیة التی رسّخها ووضع بذرتها  الأولی منذ الیوم الأول للثورة، الإمام الخمینی من دون خوف أو تردّد أو حسابات مصلحیة عابرة.

 

والیوم ونحن نحتفل بالعید الـ 40 لهذه الثورة التی غیّرت وجه المنطقة، نتأمّل بعض تلک المبادئ التی قدّمها الإمام ومثّلت نبراساً لمَن أتى من بعده من قادة المقاومة فی إیران وخارجها فی مواجهة (الشیطان الأکبر؛ أمیرکا، کما کان یُسمّیها الإمام) أو الشیاطین الصغیرة من صهاینة یهود وصهاینة عرب، فی هذا السیاق دعونا نتذکّر ونُعید تأمّل بعضاً من کلمات ورؤى هذا الإمام المؤسّس.

 

یحدّثنا التاریخ بأن الغرب لدى الإمام الخمینی إستعماری بطبعه ومُعادٍ للإسلام منذ قرون مضت، وفی هذا المعنى یقول مُخاطباً الحجّاج بمکّة المکرّمة عام 1399هـ "قفوا فی وجه أعدائکم المُتمثّلین فی أمیرکا والصهیونیة العالمیة والقوى الکبرى سواء الشرقیة منها أو الغربیة من دون خوف أو وجل"، إن الهدف الأصلی للدول الاستعماریة من وجهة نظره هو القضاء على القرآن ومحوه، والقضاء على الإسلام وعلماء الإسلام، "خطة محو الإسلام وأحکام القرآن المقدّسة، وجهازه الجبّار هو الأداة لتنفیذ هذه الخطة المشؤومة، والخطة هی أن یترکوا الوطن متأخّراً، وبإسم تشجیع العلم و"کتائب التعلیم" یقمعون المدارس الدینیة، والجامعات بإسم الإسلام تُهان أحکامه المقدّسة" رسالة إلى المراکز العلمیة فی 8 محرم 1387هـ.

 

إن الغرب لدى الإمام لا یبثّ الفرقة فقط بل یوظّف لصالحه کل شیء حتى الصحافة والتلفزیون والمدارس، وفی هذا المعنى یقول: "إن الأیدی التی تبثّ الفرقة بین المسلمین هی أید قذرة"،"إن الأیدى القذرة التی تبثّ الفرقة بین الشیعی والسنّی فی العالم الإسلامی لا هی من الشیعة ولا من السنّة، إنها أیدی الاستعمار التی ترید أن تستولی على البلاد الإسلامیة من أیدینا، والدول الاستعماریة والدول التی ترید نهب ثرواتنا بوسائل مختلفة وحیَل متعدّدة هی التی توجد الفرقة بإسم التشیّع والتسنّن"  خطابه فی 2 جمادی الأولى، 1384هـ.

 

وکان لدى الإمام قناعة أثبتت التجارب اللاحقة لقیام الثورة وحتى الیوم -2019- صدقها وهی أن ماضی وحاضر المسلمین ارتبط بالنضال ضد الاستعمار الغربی، بمعنى أن النضال مثَّل سمة أصیلة للإسلام فی مواجهة المستعمر حتى فی أضعف لحظات العالم الإسلامی. إن اکتشاف هذه الخاصیة تطلّبت منه استیعاب کل الخبرة الإسلامیة الأولى التی وجدت أیام الرسول ثم الخروج بتصوّر مُتکامِل لظرفیّتها والواقع الذی کانت علیه، وهنا نجده کان مُلماً بکافة جوانب الجغرافیة الإسلامیة تاریخیاً باعتبارها جزءاً من الخبرة التاریخیة ومَن یقرأ کتابه الأشهَر (الحکومة الإسلامیة – ترجمة حسن حنفی) یکتشف ذلک جیداً.

 

السمة الأخیرة للغرب عند الإمام أنه یتلخّص فی الولایات المتحدة الأمیرکیة وهی تُعتَبر لدیه أسّ الفساد (والشیطان الأکبر) حیث کل "المصائب التی حاقت بنا وکل مشاکلنا من أمیرکا، کل المصائب التی حاقت بنا وکل مشاکلنا من إسرائیل، هؤلاء النواب من أمیرکا، هؤلاء الوزراء من أمیرکا، کلهم معیّنون من قِبَلها لقمع هذه الأمّة المظلومة" ورد هذا القول فی بیان تاریخی ضد الامتیازات الأجنبیة فی إیران فی کتاب  د. إبراهیم الدسوقى شتا : الثورة الإیرانیة – الجذور والأیدیولوجیة، ص144.

 

أما موقفه من الکیان الصهیونی فهو یرفض وجوده من الأساس ویعتبره (غدّة سرطانیة) لا بد من إجتثاثها من الجذور، وفی ندائه إلى حرکات التحریر العالمیة فی 15/11/1979 یقول لهم: "انهضوا ودافعوا عن کیان الإسلام وعن شعوبکم وأوطانکم فإسرائیل قد أخذت بیت المقدس من المسلمین"، "وهو یدعو المسلمین إلى أن ینهضوا ویدافعوا عن الإسلام وعن مرکز الوحی بالکفاح المسلّح، وهو یعتبر أن أیة إتفاقات مع العدو الصهیونی بمثابة خیانة للإسلام وفی مقدّمة تلک الاتفاقات إتفاقیة کامب دیفید.

 

ولا ننسى أخیراً أنه أسّس تقلیداً نضالیاً سیاسیاً وثقافیاً جدیداً من أجل فلسطین حین دعا لجعل الجمعة الأخیرة من شهر رمضان کل عام یوماً عالمیاً للقدس.

 

الیوم وبعد رحیل الإمام (رحل فی 3/6/1989) وفی الذکرى الأربعین لثورته، نؤکد أن ما زرعه الرجل من أجل فلسطین وفی مواجهة المشروع العدوانی الأمیرکی الغربی ضد العرب والمسلمین؛ قد أثمر وانتصر، رغم الصعوبات والتضحیات، ولعل نظرة هادئة مُحایدة، لإیران والمنطقة، الیوم، ومقارنتها بسؤال إفتراضی هو:

 

ماذا لو لم یأت الإمام وثورته وکیف کان حالها؟ بالتأکید کان الأمر سیکون بائساً شدید القتامة.

 

رحم رحم الله الإمام وحفظ ثورته وقوى المقاومة التی تربّت على مبادئها وروحها العظیمة




ارسال التعلیق