معادلة توحید الجبهات تترسّخ

محمد علوش

 

موقع الصحوة الاسلامیة : فی أقل من أسبوع، توجِّه المقاومة اللبنانیة مرة أخرى صفعة جدیدة لرئیس الوزراء الإسرائیلی بنیامین نتنیاهو الذی یستعدّ لانتخاباتٍ مصیریةٍ فی وقتٍ یهدّده القضاء الإسرائیلی بالمُلاحقة على خلفیّة الفساد المُتورِّط فیه.

 

ومرة أخرى، تُفاجىء المقاومة أنصارها قبل عدوّها بقُدرتها على امتلاک ردعٍ جویّ، وتوظیفه فی قواعد "الردع المُشترک" من دون المزید من التفاصیل حول طبیعة ونوعیة الأسلحة التی أضحت بحوزتها فی هذا المجال.

لم یکن وَقْع خبر إسقاط حزب الله للطائرة المُسیَّرة الإسرائیلیة قویاً على وسائل الإعلام العالمیة بقدر ما کان قویاً على وِقْع القیادات العسکریة والسیاسیة فی إسرائیل. ومَن یتابع النقاش السیاسی الداخلی فی إسرائیل یُدرِک حجم القلق من تبدّل قواعد الاشتباک.

 

إسقاط الطائرة المُسیَّرة الإسرائیلیة فی الأجواء اللبنانیة دلیل واضح على المستوى الذی بلغته المقاومة فی المجال الجوی. فإثبات المقاومة امتلاکها أسلحة قادِرة على إسقاط طائرات حربیة مُسیَّرة لا یمنع من فرضیة امتلاکها أسلحة قادِرة على إسقاط الطائرات الحربیة ذات الوزن الثقیل، خاصة أن التکتّم المقصود لحزب الله على نوعیة السلاح الذی استُعمِل فی إسقاط الطائرة المُسیَّرة التی أضحت بحوزة الأجهزة المُختّصة لتفکیکها یهدف إلى إرباک إسرائیل أکثر وعدم منحها معلومات عسکریة عن قدرات المقاومة وجهوزیتها، تبذل کل جهدها لمعرفتها عبر عملائها وطُرُق تجسّسها المُتنوّعة.

 

والأرجح فی ظلّ هذا الوضع أن إسرائیل لم یعد بإمکانها التحلیق فی الأجواء اللبنانیة أو شنّ عدوان عسکری بطائراتها على سوریا انطلاقاً من أجوائه من دون الأخذ بفرضیّة إمکانیة تعرّضها ومَن فیها للسقوط والأسْر.

 

هذا الهاجِس الخفّی ربما یُفسِّر لنا حقیقة ما کشف عنه مسؤول سوری لقناة المیادین بعد ساعات قلیلة من إسقاط المُسیَّرة الإسرائیلیة فی الجنوب اللبنانی على ید المقاومة، عن تعرّض سوریا لعدوانٍ إسرائیلی عبر الأجواء الأردنیة بالتنسیق مع القوات الأمیرکیة الموجودة فی قاعدة التنف على الحدود مع سوریا.

 

ربما هی المرة الأولى التی تلجأ فیها إسرائیل إلى استخدام أجواء دولة عربیة للعدوان على سوریا. وهی سابقة خطیرة، لا یمکن التعلیق علیها من دون اتّضاح حقیقة ما حصل.

 

على أیة حال، أضحت الأجواء اللبنانیة مُقفَلة أمام الطائرات الإسرائیلیة وهی أکثر منعة من سماء دول عربیة أخرى، تسرح وتمرح فیها الطائرات الإسرائیلیة، إما بالعبور أو التدریب أو التنصّت وجَمْع المعلومات حول المنطقة.

ولعلّ من مُقتضیات التطوّرات الإقلیمیة، وإذا ما أمعنا النظر فی تواریخ الاعتداءات الإسرائیلیة على سوریا والعراق وغزَّة وطبیعة أهدافها خلال السنوات القلیلة، نجد أن جبهات ما یُعرَف بمحور المقاومة الممتد من إیران إلى العراق فسوریا فلبنان وصولاً إلى غزَّة أضحت جبهة واحدة عملیاً فی وجه إسرائیل. فالظروف فرضت ذلک على قوى المقاومة أکثر من أن تکون رغبة أساسیة عند أعضائها.

 

من هنا، فإن احتمالیة شنّ إسرائیل عدواناً على لبنان، رداً على ردع حزب الله لها، تضعف یوماً بعد آخر، لأن الإسرائیلیین باتوا على قناعةٍ تامةٍ بأن أیّ اعتداء على لبنان لن یترک للاحتلال فرصة لالتقاط أنفاسه على جبهاتٍ أخرى سواء کان على الجبهة السوریة أو على الجبهة الفلسطینیة.

 

الفلسطینیون من ناحیتهم مُستفیدون من توحید الجبهات، وهی تمنحهم فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أن کانت تستفرد بهم إسرائیل على مدى عقودٍ سابقة. والحرب على لبنان تصبح بعیدة الاحتمال لأن إسرائیل تعرف أن الرد سیکون أکبر من قدرتها على الاستیعاب فی الجبهة الداخلیة. أما السوریون، فلدیهم جردة حساب طویلة مع الإسرائیلیین الذین کثّفوا من اعتداءاتهم على الأراضی السوریة.

 

المسیّرة الإسرائیلیة الأولى سقطت، ولن تکون الأخیرة بطبیعة الحال، وإن لم یکن الحزب مُضطراً إلى إسقاط کل طائرة تعتدی على الأجواء اللبنانیة.

 

ولا یُعرف عن طبیعة السلاح الذی استعمله الحزب شیئاً، والأرجح أنه یملک أسلحة أعلى قدرة وأکثر دقّة وتصویباً. وهکذا یکون لبنان قد دخل مرحلة جدیدة فی المواجهة مع الاحتلال کما أدخلت قوى المقاومة قواعد جدیدة على الصراع.

حاولت إسرائیل استفزاز المقاومة والنَیْل من سیادة لبنان واستقلاله بشکلٍ مستمر. ولم تترک مجالاً أمام المقاومة إلا أن ترّد بما تملک للحفاظ على السیادة. الردع هو الضمانة الوحیدة فی حمایة لبنان من شبح حرب مقبلة علیه، فهل تُعید إسرائیل حساباتها؟

 

 




ارسال التعلیق