عنفوان التوجه شرقاً وزمن تغییر الخرائط

ایهاب زکی

حین تکون عینک على الواقع، یجب أن یکون فؤادک فی الماضی وعقلک فی المستقبل، حیث أنّ التجربة هی سیدة المعارف، وحین یلامس واقعک تجربة الماضی، یجب أن تکون نبراساً لا أداة نسخ، لأنّ الیقظة وحدها تجعل من أخطاء الماضی فرص المستقبل. وهذا ما یحدث بحذافیره الآن، فحین أتابع الأمین العام لحزب الله السید نصرالله یتهیأ الماضی بعنفوانه، ویتمثل تجربةً مکتملةً بلا ثغرات، فالدعوة للتوجه شرقاً ذات ماضٍ، غیّرت من قواعد اللعبة الدولیة، وغیرت خرائط الصراع، وأنتجت عالماً جدیداً لا یشبه ما قبله، وکان ذلک عام 1955، حین أعلن الرئیس جمال عبد الناصر عن صفقة الأسلحة التشیکیة، فمنطقة الشرق الأوسط کانت منطقة نفوذ غربی مغلقة، لا یُسمح للاتحاد السوفییتی بولوجها على الإطلاق، حتى أنّ السوفییت لم یرغبوا أن یکونوا فی الصورة بشکل مباشر، لذلک کانت تشیکو سلوفاکیا هی الواجهة والسلاح سوفییتی، وقالت الـ"نیورک تایمز" فی حینها، أنّ وزیر الخارجیة الأمریکی جون فاستر دالاس، أُصیب بنوبة غضبٍ هستیریة حین سمع بأنباء الصفقة، وقال فی شهادته أمام الکونغرس" کنا نظن عبد الناصر حین أعلن نیته التوجه شرقاً، أنّه کان یناور للضغط، ولم یکن جاداً".

کان تسلیح الجیش المصری قبل ثورة یولیو 52 تسلیحاً بریطانیاً، وهی أسلحة بائدة الفعالیة ضئیلة الکمیة، وقد استمرت حکومة الثورة بالإلحاح بطلب شراء الأسلحة من الدول الغربیة دون طائل، وقد اشترطت الولایات المتحدة وبریطانیا فی سبیل الموافقة على طلبات السلاح، أن تعترف مصر بـ"إسرائیل"، کما یشترطون الیوم على لبنان سرقة غازه ونفطه ومیاهه لصالح "إسرائیل". وهذه الدائرة المفرغة منذ ستة عقود وزیادة هی ذاتها الیوم، فمحور العقوبات الأمریکیة على لبنان وسوریا وإیران هو "إسرائیل". وکان فی وقتها اتفاق دولیّ یسمى التصریح الثلاثی، حیث التزمت أمریکا وبریطانیا وفرنسا بعدم تورید الأسلحة لمنطقة الشرق الأوسط، بحجة أنّها منطقة نزاعات، والسلاح یزیدها استعاراً، فإنسانیتهم الطافحة جعلتهم یمنعون السلاح عن المتحاربین، وهذا ما ألزمت به کل دول الغربیة المصنعة للسلاح، وقد طبقته بحذافیره على الدول العربیة، بینما کان السلاح یتدفق نحو"إسرائیل" دون توقف. وقبل الصفقة، یقول صلاح سالم عضو مجلس قیادة الثورة "کان لدى الجیش المصری ست طائرات فقط قادرة على الطیران، والبقیة بحاجة إلى صیانة وقطع غیار ترفض بریطانیا تزویدنا بها، ولم یکن من ذخیرة الدبابات إلّأ ما یکفی لمعرکةٍ مدتها ساعة واحدة لا غیر، أما المدفعیة فکان یرثى لها"، والملفت فی صفقة الأسلحة التشیکیة، أنّها کانت صفقة مقایضة، الأسلحة مقابل القطن والأرز المصری.

إذاً، ما یطرحه السید نصرالله هو عین الواقعیة، وهی واقعیةٌ حد أنّها تقفز عن الحقائق المهلهلة، التی یرید لها البعض أن تکون صلبة، فالعجز عن مواجهة أمریکا وإیلامها لیس حقیقة صلبة، والعجز عن رفع سیف الدولرة ورفض قیصر لیس حقیقة صلبة، فحین دخل وزیر الخارجیة الأمریکی دالاس فی نوبة غضبٍ هستیریة، کانت امبراطوریته فی قمة جبروتها، وکانت صفقة الأسلحة التشیکیة قد أصبحت واقعاً، أمّا حین أدخل السید نصرالله مایک بومبیو وسفیرته فی لوثة تصریحاتٍ عبثیة وعصبیة، لم تکن بعد "صفقة" التوجه شرقاً قد انجزت بکاملها، وأمریکا الیوم لیست على قمة جبروتها بل على حافة المنحدر. وإذا کانت تداعیات قرار الزعیم عبد الناصر بالتوجه شرقاً قد قلبت الموازین الدولیة فی حینه، فإنّ قرار لبنان بالتوجه شرقاً سیکون له من التداعیات الأشد أثراً على السیاسات الدولیة والتوازنات الدولیة وخرائط المنطقة، خصوصاً أنّ لبنان الیوم هو درة تاج محورٍ یستبسل فی مواجهة القبضة الأمریکیة، ولدیه من المقومات ما کان یتعذر على مصر حیازتها.

فی لبنان الیوم سلاح فائق التکنولوجیا کما یقول العدو، ولدیه 150 ألف صاروخ حسب عدادا العدو أیضاً، کما أنّ لدیه مصادر تسلیحیة لا تنضب، وهو ما یشکل حاجز ردعٍ یعجز العدو حتى اللحظة عن تجاوزه، ولدیه من الإعداد والتجربة القتالیة، ما یشکل هاجساً تهدیدیاً استراتیجیاً کما یعترف بذلک، کما أنّ موازین القوى فی المنطقة تمیل یوماً بعد یوم بل ساعة بعد ساعة، لصالح محور المقاومة، وهذا ما لا تملک أمریکا و"إسرائیل" له حلاً سوى عقد حبال المشانق الاقتصادیة، حیث العجز البیّن عن الحلول العسکریة، وعلیه فإنّ الإفلات من مشانق الاقتصاد عبر التوجه شرقاً، سیجعل من الولایات المتحدة و"إسرائیل" ذئابًا بلا أنیاب، ولن یکون أمامهم حینها سوى التفکیر باستخدام سلاح العجز، وهو القوة العسکریة، أو الاستمرار فی خیار اصطناع الفتن وافتعال الشروخ عبر التحریض داخل لبنان، وهو الخیار الذی طلب منهم السید نصرالله التفکر علمیاً به وبشکلٍ جید، حیث سیصبح لبنان کله مقاومة. والخیار الثالث والأخیر هو محاولة تدارک التداعیات بأقل الخسائر الممکنة، عبر عقلانیةٍ دبلوماسیة لا أظنّ أنّ إدارة ترامب تملکها، من خلال تخفیف الضغط على الأدوات وعدم الإصرار على حشر لبنان عبرهم فی زاویة ضیقة.

 وأخیراً فقد کنت کتبتُ قدیماً، إذا کان التضییق على لبنان هدفه حمایة "إسرائیل"، فلو وقع المستحیل وأصبح لبنان ألف دولة، وشکّلَ کل ثلاثة مسلحین جمهوریة مستقلة، فإنّ خطر حزب الله على "إسرائیل" سیبقى بل سیتصاعد، وکما قال سید التحدیات، سنزداد عدةً وعدیداً.




محتوى ذات صلة

ما اعلنه وزیر الخارجیة اللبنانی المستقیل مُجاف للحقیقة والواقع

ما اعلنه وزیر الخارجیة اللبنانی المستقیل مُجاف للحقیقة والواقع

اکدت مصادر حکومیة لبنانیة ان ما أعلنه وزیر الخارجیة المستقیل ناصیف حتی مُجاف للحقیقة والواقع وهو شخصیاً یدرک حجم ما حققته الحکومة، ولَمس التوجّه الجدی لدى رئیس الحکومة فی سلوک المنحى الاصلاحی منذ بدایة انطلاقة الحکومة.

|

ارسال التعلیق