نتنیاهو مکبّل بالأزمات.. و"اسرائیل" محاصرة بالتحدیات

سرکیس ابوزید

یشھد تکتل الیمین الحاکم فی "إسرائیل" ازمات متتالیة، وتراجع شعبیة حزب "اللیکود" برئاسة نتنیاھو، والمطالبة بمحاکمته بتھم الفساد، والانتقادات التی تطال حکومته حول سوء إدارتھا لأزمة فیروس "کورونا". وقد تظاھر الآلاف أمام مقر إقامة نتنیاھو مطالبین باستقالته، وشارک فی التظاھرة نشطاء من الیسار والیمین وحتى من حزب "اللیکود" نفسه. وأدى تفشی فیروس "کورونا" إلى إرجاء محاکمته إلى الشھر المقبل.  
نتنیاھو قلق، أولًا بسبب استمرار الاحتجاجات، وثانیًا بسبب الشباب الذین یأتون إلى المظاھرات بجماعات غفیرة، وثالثًا، بسبب الیمینیین المعارضین.

وفی محاولة لتصدیر أزماته الداخلیة وملفات الفساد وحرف الأنظارعن محاکمته، ھدد نتنیاھو بتفکیک حکومة الطوارئ والذھاب لانتخابات رابعة بھدف تحقیق أھداف ومصالح شخصیة تضمن له البقاء على کرسی رئاسة الحکومة وتُبعده أکثر عن قفص الاتھام.
 
نتنیاھو المأزوم شعبیًا وسیاسیًا یواجه فی ھذه المرحلة ثلاثة تحدیات رئیسیة:

1 -أزمة "کورونا": تضغط جائحة "کورونا" على "إسرائیل" فی أکثر من اتجاه ومستوى، ولا تقتصر تداعیاتھا السلبیة على الوضع الصحی للإسرائیلیین، بل باتت تضغط بقوة على الاقتصاد والأمن الاجتماعی. الموجة الثانیة من الفیروس تضرب بقوة، ووصلت إلى حد احتلال "إسرائیل" المرتبة الثالثة بعد الولایات المتحدة وتشیلی، بعدد الإصابات نسبة إلى عدد السکان.

وبحسب البیانات، فإن عدد العاطلین عن العمل یقارب الـ800  ألف، بینھم 575 ألفًا خرجوا فی إجازة غیر مدفوعة الأجر، علما بأن قطاعات کاملة باتت بحکم الإفلاس والتوقف النھائی، من دون أفق فعلی للخروج من الأزمة.

وباتت جائحة "کورونا" وتداعیاتھا عاملا رئیسا فی التجاذبات السیاسیة بین النخبة الحاکمة، بل امتدت لتکون مادة تجاذب بین المؤسستین السیاسیة والعسکریة، فیما الأفق مسدود عن المعالجة. وفی ھذا الإطار، یضغط وزیر الأمن بینی غانتس کی تتولى وزارته مع الجیش الإسرائیلی مواجھة "کورونا"، الأمر الذی یرفضه نتنیاھو ویجھد کی یحول دونه، فمعالجة "کورونا" من قبل خصومه السیاسیین الذین یسیطرون على وزارة الأمن تبعد الأضواء عنه مع الترکیز على نجاحاتھم، وخاصة إن استطاع الجیش الحد من انتشار الفیروس. ویخشى نتنیاھو نتیجة کھذه فی مرحلة حساسة جدا من ناحیة سیاسیة، قد تشھد انفراط عقد الحکومة والتوجه إلى انتخابات مبکرة رابعة، ما یعنی إعطاء رصید بالمجان للخصوم .

وأزمة "کورونا" أججت الخلاف داخل الائتلاف الحکومی، وحیث إن نتنیاھو ممتعض بشدة من تصرفات غانتس ویعتبرھا تتعارض مع توجھات الحکومة حیال التعامل مع أزمة "کورونا"، سواء على الصعید الصحی أو الاقتصادی، یقول إن غانتس یسعى إلى تبنی مواقف شعبویة لکسب رضا الجمھور ولیست فعّالة عملیًا. ویرى أن غانتس وحزبه أفشلوا الإجراءات الضروریة للحد من انتشار "کورونا" وإنقاذ أرواح الناس لأسباب سیاسیة، ما سیؤدی حتما إلى فرض الإغلاق الکامل وإلحاق أضرار اقتصادیة لا ضرورة لھا. فی المقابل، یقول قیادی فی حزب غانتس إنه بدلا من التھرب من المسؤولیة عن إدارة أزمة "کورونا"، على نتنیاھو أن ینتصر للجیش الإسرائیلی، وأن تقود وزارة الدفاع المعرکة المیدانیة ضد "کورونا".
 
2- خطة الضّم خسرت واحدًا من أھم مقوماتھا، وھو الزخم الأمیرکی الذی میّز موقف الإدارة الأمیرکیة عندما حدد نتنیاھو موعد تنفیذھا کاملة فی الأول من تموز الماضی. فالإدارة الأمیرکیة أرسلت الى نتنیاھو عدة مطالب وشروط لکی تمنحه الضوء الأخضر لإطلاق مخطط ضم الأراضی من الضفة الغربیة إلى "إسرائیل " وفرض القانون الإسرائیلی علیھا.

کما اشترط البیت الأبیض خلال ھذه المداولات توفر حالة من الاستقرار السیاسی فی "إسرائیل" لمساندة مخطط الضم، والکف عن الانقسامات والتھدیدات بالتوجه إلى انتخابات جدیدة، وأن تقبل خطة ترامب بالکامل، ومن ضمن ذلک الموافقة على إقامة دولة فلسطینیة فی قطاع غزة و70  فی المئة من الضفة الغربیة. ولکن نتنیاھو یُصر على تحریک ملف الضم والدفع به خلال فترة الحکومة الراھنة، من دون الإعلان عن قبول الدولة الفلسطینیة. وھو یبنی على وجود خلافات فی الإدارة الأمیرکیة حول ھذه المواضیع ما بین کبیر مستشاری الرئیس ترامب وصھره جارید کوشنیر الذی یرید تنفیذ "صفقة القرن" بالاتفاق مع دول عربیة ویُتھم بعرقلة تنفیذ مخطط الضم حتى الآن، وبین السفیر الأمیرکی لدى "إسرائیل"
دیفید فریدمان الذی یؤید ضما سریعا وأحادی الجانب، لأن ھذا الضم سیساعد الرئیس ترامب فی معرکته الانتخابیة.

بالإضافة الى الموقف الأمیرکی، ھناک عراقیل أخرى أبرزھا المعارضة الدولیة، خصوصًا الأوروبیة، بالإضافة الى الخلاف الداخلی، وحیث تتسع المعارضة الإسرائیلیة الداخلیة لمخطط الضم، خصوصا بعد تأکید القیادات الأمنیة معارضتھا وتحذیراتھا من أن تنفیذ أی ضم سیؤدی إلى انتفاضة فلسطینیة ثالثة، مع احتمال أن یتسبب کذلک بتصعید أمنی مع جبھة غزة، ما یخلق أوضاعا جدیدة یمکن أن تأتی بنتائج وخیمة.

3 - التحدی الأمنی بات یُعرف بتھدید الجبھة الشمالیة الأوسع الممتدة من جنوب لبنان مرورا بالجولان وبغداد وصولا إلى طھران. والمعرکة ضمن ھذه الحدود تدور منذ سنوات، من دون أن تنھی التھدیدات. المعرکة مستمرة بلا توقف، لکن یتداخل فیھا أکثر من عامل متناقض بین الکبح والدفع والتحفیز والردع وموازنة الثمن الحالی للأفعال الإعتدائیة مقابل أثمان لاحقة أکبر وأوسع وأکثر إیلامًا منها:

- إلى الآن، تصمد قواعد الاشتباک وتمتنع "إسرائیل" قسرًا عن کسرھا، إذ إن من شأن محاولة الکسر التدحرج إلى مواجھة عسکریة من الصعب تقدیر المدى الذی یمکن أن تبلغه.

- الوجود الإیرانی فی سوریا: لا یبدو أن الضربات الإسرائیلیة فی الساحة السوریة من شأنھا إنھاء ھذا الوجود، بل فی المقابل بدأ یترسخ أکثر فأکثر، خصوصًا مع توقیع اتفاقات أمنیة وعسکریة ثنائیة أثارت حفیظة "إسرائیل". فی ھذه الساحة تحدیدًا، التحدی کبیر جدًا وتأثیراته قاسیة على "إسرائیل" على المدیین المتوسط والبعید. ففی ھذه الساحة، تبدو "إسرائیل" شبه مکبلة عن المبادرة وفقًا لاستراتیجیتھا المعتمدة فی ضرب أعدائھا والتأثیر فی قراراتھم وتوجھاتھم. لذلک تحرص "إسرائیل" حتى الآن على تجنبھا لأنھا تتخوف من أثمانھا وتخشى تداعیاتھا الإقلیمیة. باختصار ناتنیاهو مکبل بالازمات و"اسرائیل" محاصرة بالتحدیات.




محتوى ذات صلة

خطة الانتخابات العامة الفلسطینیة، هل ستنتهی الخلافات الداخلیة؟

خطة الانتخابات العامة الفلسطینیة، هل ستنتهی الخلافات الداخلیة؟

عقب المساومات والتسویات التی قامت بها بعض الدول العربیة فی نفس الوقت الذی یواصل فیه الکیان الصهیونی عدوانه فی الأراضی الفلسطینیة ، أعلنت السلطة الفلسطینیة قرارها بإجراء انتخابات عامة. وفی هذا الصدد ، ...

|

إسرائيل كانت تشغّل مركز مصالح في البحرين قبل التوقيع

"إسرائيل" كانت تشغّل مركز مصالح في البحرين قبل التوقيع

قالت وسائل إعلام إسرائيلية إن "إسرائيل" كانت "تشغل ما يسمى مركز مصالح للدفع قدماً بالمصالح السياسية والإقتصادية لها في البحرين، وهذا العمل بدأ في بداية العقد المنصرم، والآن فقط مع توقيع الاتفاق مع البحرين سمحت الرقابة العسكرية بنشر الأمر".

|

ارسال التعلیق